الشنقيطي

304

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

المعنى . واعلم أن لفظ اليدين ، قد يستعمل في اللغة العربية استعمالا خاصا ، بلفظ خاص لا تقصد به في ذلك النعمة ولا الجارحة ولا القدرة ، وإنما يراد به معنى أمام . واللفظ المختص بهذا المعنى هو لفظة اليدين التي أضيفت إليها لفظة بين خاصة ، أعني لفظة بين يديه ، فإن المراد بهذه اللفظة أمامه . وهو استعمال عربي معروف مشهور في لغة العرب لا يقصد فيه معنى الجارحة ولا النعمة ولا القدرة ، ولا أي صفة كائنة ما كانت . وإنما يراد به أمام فقط كقوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [ سبأ : 31 ] أي ولا بالذي كان أمامه سابقا عليه من الكتب . وكقوله : وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ [ المائدة : 46 ] أي مصدقا لما كان أمامه متقدما عليه من التوراة . وكقوله : فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ [ فصلت : 25 ] ، فالمراد بلفظ ما بين أيديهم ما أمامهم . وكقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [ الأعراف : 57 ] ، أي يرسل الرياح مبشرات أمام رحمته التي هي المطر ، إلى غير ذلك من الآيات . ومما يوضح لك ذلك أنه لا يمكن تأويل اليدين في ذلك بنعمتين ولا قدرتين ولا جارحتين . ولا غير ذلك من الصفات ، فهذا أسلوب خاص دال على معنى خاص . بلفظ خاص مشهور ، في كلام العرب فلا صلة له باللفظ الدال على الجارحة ، بالنسبة إلى الإنسان ولا باللفظ الدال على صفة الكمال والجلال الثابتة للّه تعالى . فافهم . وقال أبو الحسن الأشعري رحمه اللّه في كتابه : مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ، الذي ذكر فيه أقوال جميع أهل الأهواء والبدع والمؤولين والنافين لصفات اللّه أو بعضها ما نصه : جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار باللّه وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند اللّه وما رواه الثقات عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لا يردون من ذلك شيئا . وأن اللّه سبحانه إله واحد فرد صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن اللّه يبعث من في القبور ، وأن اللّه سبحانه على عرشه كما قال الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 ) [ طه : 5 ] وأن له يدين بلا كيف كما قال : خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] . وكما قال : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [ المائدة : 64 ] إلى أن قال في كلامه هذا ، بعد أن سرد مذهب أهل السنة والجماعة . ما نصه :